في قلب الحدث.. تشاكس الواقع بالضحك والبكاء

المقاله تحت باب  سينما و مسرح
في 
11/11/2009 06:00 AM
GMT



 ثمة جرح.. كان يضحك، بل جروح متعددة فتحت افواهها لتمارس الضحك، ولكن اي ضحك، انه ذلك الذي يستقي مقولة (شر البلية ما يضحك) جوهرا له ورداء، فما تسمعه وتشاهده على خشبة المسرح يؤدي بك الى الضحك، ولكن حين تتأمل الصور التي رسمها المخرج والممثلون ستعرف ان الجراح تنز قهقهة من نوع الكوميديا السوداء، لقد انتزع الممثلون من الجمهور ضحكات عالية ملأت القاعة برنين عجيب، مثلما انتزعوا التصفيق الحر من اكفه، من خلال الحوارات والمعاني والحركات، حيث برعوا في تشخيص ما يحدث في الواقع العراقي بالشكل الذي اثار وابكى واضحك، مثلما اشاد وحيا وصفق، فقد أجاد الممثلون كثيرا وابهروا المشاهدين للعرض، كما ان سينوغرافيا العرض كانت مدهشة وجديدة.

    كان ذلك في المسرحية التي عرضت مساء الخميس على خشبة المسرح الوطني ببغداد والتي حملت عنوان (في قلب الحدث) تأليف واخراج مهند هادي وتمثيل فلاح ابراهيم وسمر قحطان وآلاء نجم، بالاضافة الى المخرج مهند الذي يمثل شخصية (صانع الموت)، وحضرها حشد من الفنانين والاعلاميين والجمهور.

   بدأت المسرحية بضجيج اصوات من الشارع، مختلف الاصوات التي تمتزج مع بعضها والتي تميز الشارع العراقي، فتسمع منبهات سيارات وصفارات انذار ونداءات اناس وتحذرات وحتى اصوات طائرات مروحية، اما على خشبة المسرح فثمة اشخاص يمرون جيئة وذهابا، وهناك يدخل شخص (مهند هادي) يرتدي البياض ويطلي وجهه باللون الابيض ايضا يسحب خلفه حقيبة كبيرة ومن ثم.. يحدث انفجار..، تختفي الاضواء من الخشبة التي يتعالى منها صراخ وعويل وبكاء ومن ثم اصوات سيارات اسعاف، وبعد ان ينجلي الظلام يظهر ثلاثة اشخاص متقاربين وفي لقطة ساكنة مشتركة، وهنا عنى المخرج انهم استشهدوا في حادث الانفجار، وألتقوا في مكان خارج الحياة التي هم كانوا فيها، تبدأ اللقطة الاخرى بحركة من (سمر قحطان) قائلا (لك.. صارت صدق، ليش منو شنو اللي صار، ششوف وشسمع، وليش صاير شي؟)، ثم يبدأ بين الثلاثة حوار يعرفون فيه انهم (موتى)، ولكن يتواصل حديثهم عن الطريقة التي ماتوا فيها فيقول احدهم (يمكن صار انفجار)!!، وحين يتساءل احدهم عن شكل الانفجار يجيب احدهم (شنو اللي يفرق: عبوة سيارة، قذائف)، وثم يحدث بينهم جدال فيضحك احدهم ويقول ضاحكا (حتى بالموت تتعاركون!!)، هؤلاء الثلاثة احدهم بائع جرائد والاخر سكير والمرأة ربة بيت قالت (هاي اول مرة اطلع من البيت زعلانة، اني ادري الانفجار المصخم يجي بوجهي)، فيما يقول السكير: (محد يسأل عني من وره هاي الحبوب اللي ابلعها) فيما يقول بائع الجرائد: (امي راح توكف على الباب وتكول فرج اتأخر، خاف صار عليه شي!!)،ومع حواراتهم الدرامية والتي تصل الى مستوى عال من التراجيديا، يقرؤون خبرا في الجرائد يقول ان في الانفجار (قتلت شخصية امريكية مهمة!!)، وهنا تبدأ الاتهامات تتوجه اليهم منهم لمعرفة من هو الامريكي بينهم ويشير احدهم الى الاخر، فيذهب كل واحد منهم ليؤكد عراقيته بحرقة قلب وبتوضيحات عديدة، ومن ثم يتهم احدهما الاخر انه الذي فجر نفسه، فيحدث جدل بينهم فيحاول كل واحد منهم اي يبعد الشبهة عن نفسه، فيقول (سمر) وهو يترنح من جملة المفارقات (امام بيتنا اشوف دبابة وعليها بنت سوده وفوق الدبابة علم امريكي) ثم يضحك ويقول (هاي ما تصير الا براسي اللي يبع حبوب وبراس المخرج!!!)، ويمضي الثلاثة في الجدال وسرد حكاياتهم وما تعلنه وسائل الاعلام من وقولها (مات عدد لابأس به من الناس)، وثم يتساءلون هل انهم اخر من مات في العراق بأنفجار ويضحكون من انفسهم ويتمنون لو ان السنوات التي تلت موتهم لم تشهد انفجارات، ولكن (ذلك الشخص المفخخ) الذي يسحب حقيبته يمر مجددا فيصرخون بوجهه غاضبين ومعاتبين وقائلين جملهم المفيدة مسبوقة بكلمة (ليش؟) حتى ينتهي به الامر بحدوث انفجار كبير ويتكرر مشهد البداية ذاته.

  وبعد نهاية العرض استطلعنا آراء عدد من المهتمين من الفنانين بما جاءت به المسرحية وما قدمه المخرج والممثلون:

  قال الفنان الدكتور فاضل خليل: عمل ممتاز فيه تفكير عالي جدا، اما من ناحية السينوغرافيا فكانت بحاجة الى قليل من الاتقان، وكان هنالك تكرار بالخطاب السابق، التفكير هو اكثر شيء شدني في العمل حيث اننا نعرف ان الاخراج تفكير وقيادة وتنظيم، انه عمل راق والممثلون ممتازون.

 اما الفنان عزيز خيون فقال: العرض يصب في دائرة العروض المشاكسة التي تتعامل مع الحالة الانية اليومية في العراق تحت الاحتلال، مشكلات مواطن، اي مواطن بسيط والحوارات نسمعها بشكل يومي الا ان مهند هادي استطاع ان يصوغها بمونتاج ذكي سخر فيه من هذه الهموم بما فيها الموت، وانا اعتقد انه كان ينادي بالحياة الجديدة، واضاف: مهند مخرجا ومؤلفا قدم عرضا عراقيا حداثويا بامكانات بسيطة الا امكاناتهم الغنية كأرواح عراقية طموحة حالمة بثقافة جديدة حالمة بعراق جديد بعيدا عن المفخخات والموت، عراق ينتمي الى الحياة، عراق رسالته الى العالم محبة وجمال وسلام، تحية الى مهند وفلاح وآلاء وسمر.

     وقال الفنان طه المشهداني: اقف وقفة ثم انحني لهذا الكادر الرائع الذي قدم ما في قلوب العراقيين جميعا وليس ما في قلب الشارع العراقي، لقد قلبوا الاحداث وقلبوها وقلبونا وانقلبت كل المقاليب بفننا ووعينا، وها هو مهند وسمر وآلاء وفلاح يقدمون لونا جديدا اضاف الى المسرح العراقي رونقا خاصا به، واضاف المشهداني: امنيتي الحقيقية ان يشاهد كل العراقيين هذا العمل، وألف مبارك لكادر العمل ولدائرة السينما والمسرح على هذا العرض المشرف.؟
 اما الفنان محمد هاشم فقال: للمرة الثانية يؤكد مهند هادي انه يسير على الطريق الصحيح ويؤكد اسمه كمخرج شاب ومبدع وله تجارب مميزة، هذا العمل اضافة جديدة للمسرح العراقي، وقد شدتني طريقة الاخراج وطريقة السهل الممتنع بوجود ممثلين كبار مثل فلاح ابراهيم الذي اكد حضوره كنجم وسمر قحطان الممثل المهم الذي شكل حضورا كبيرا وهو ممثل مبدع في كل عمل يقدمه اما آلاء نجم فسيكون لها مستقبل كبير.

   وقال الفنان حيدر منعثر: المشهد المسرحي العراقي يتطور وهو اكثر المشاهد الفنية مشاكسة مع الواقع وهذا امتياز للمسرح العراقي وخاصة الطليعة الجديدة التي تتصدى للمفهوم المسرحي الذي نريده، وعليه فأن هذه المسرحية تأتي ضمن منظومة عروض مسرحية سيشهدها المسرح العراقي مشاكسة وغير مهادنة وتستطيع ان تحمل معها وجهة نظر الفنان بالواقع السياسي وهي مبادرة اولى باتجاه ان الخطاب المسرحي العراقي الجاد سيدخل حيز التحريض في المشهد الواقعي العراقي وفي الحياة التي يشهدها.

   فيما قالت الفنانة بشرى اسماعيل: المسرحية اسلوب جديد في الاخراج وقد فاجأنا مهند هادي بالطرح الجريء الذي لم يكن بأسلوب ناقد، كما فاجأنا الممثلون بأدائهم العالي والراقي، وكانت الفنانة آلاء نجم جميلة جدا على خشبة المسرح ورشيقة في ادائها الرائع واظهر الفنانون خبرة ودراية في المسرح وكانت جهودهم كبيرة، تحية لهم جميعا. موقع أيلاف